.. القَصَصِ وَالْجَمَالِ وَالتُّرَاثِ تَجِدُه هُنَا .. مَرْحَبًا بِكَ فِي الشَّاي خَانَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ .. أهلاً بِوَجْهِكَ الَّذِي يُشْرِقُ كَالصَّبَاحِ فِي أَزِقَّةِ بَغْدَادَ .. و لأنك إنسانٌ يُشرق علينا بلمسات كتاباته و بنور بصره .. تأكّد أنّنا سنكون لك هنا مثل قمرٍ يضيء شاشتك في الليل وكالشمس في النهار .. ولا تنسى أبدا أنه لَا تَزَالُ بَغْدَادُ تَنْبِضُ .. مَا دَامَ فِينَا مَنْ يَقْرَأُ كَلِمَاتِهَا.. وَيَرْوِي حَكَايَاتِهَا .. وَيَشْرَبُ شَايهَا. .. وأنّ بَغْدَادُ ستبقى مَدِينَةٍ مِنْ نُورٍ .. لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْعُشَّاقُ .. كَالشَّمْسِ الَّتِي لَا تَغِيبُ إِلَّا لِتَعُودَ أَجْمَلَ ..

الزورخانة ( لعبة القوى )



الزور _ خانة (  لعبة القوى )

تحت قباب بغداد القديمة ، حيث يُعلو صوت حفيف الحبال قبل صوت المؤذن ، كان الرجال يتدربون  ليس ليصبحوا أقوياء فحسب ، بل ليحملوا روح الأجداد السومريين في عضلاتهم .. 

مرحباً بكم في " بيت القوة " الذي حوّل التراب إلى أساطير!



الزور_ خانة ( بوابة التأريخ المنسيّة ) والتي سنحاول ان نزيح الغبار عن لوحتها المسمارية ، لنكشف للعالم أن العراق بلاد واد الرافدين كان _ وما يزال _ أرض الأقوياء .

فالزور_ خانة ( لعبة القوى ) هي تراث رياضي نادر ، كان يسمع صداه فـــي زوايا بغداد القديمة ، وحيث يسمع صليل الأوزان الحجرية قبل آذان الفجر ، وكانت هي ليست مجرد مكان للتدريب ، بل كان في غابر العصور والأزمنة القديمة لبلاد الرافدين طقسا" مقدّسا" يربط العراقيين بأجدادهم السّومريين والبابليين . 

      الزور_ خانة  : أصل الحكاية والرواية السومرية في النقوش الأثرية ( 3000 ق . م ) .                                                                 لوحة  المصارعون السومريون" في متحف اللوفر تُظهر رجالاً يرفعون أحجاراً بشكل يشبه تمارين " الدامبلز" الحديثة .

            " هل كان السومريون أول من اخترع كمال الأجسام؟ "


      الرواية الفارسية ( زور _ خانة ) التراث المشترك # في إيران ، ما زالت الزور خانة تُمارس في " بيوت القوة " التقليدية                  بأهازيج فارسية. " لكن.. ماذا عن النقوش العراقية الأقدم؟ " ( هل هنالك ما يثبت ذلك ؟! ) .



       الرواية البغدادية (عصر الذهب) حمامات بغداد #  قصة " أبو عدنان " ( شخصية حقيقية من سوق المهدية ) الذي كان              يُدرب الشباب على رفع الجرار الفخارية .





قبل ان أبدأ بسرد الموضوع اود ان انوه الى انني اقتبست مواد الموضوع مما نشر في ( مدونة كتابات في الميزان ) للكاتب الاستاذ ( لؤي محفوظ ) ، وايضا مما نشر في موقع ( كوردبيديا ) تحت عنوان ( الزورخانات أيام زمان ) عن الكتاب المصور للاستاذ ( جميل الطائي ) ، وانه ليس لي الفضل في ذلك سوى انني قمت بتقسيم الموضوع وتفصيله وفق ما مامدون أدناه للتسهيل وتشويق الموضوع للقاريء الكريم ، ومن خلالكم نقدم خالص شكرنا وتقديرنا للاستاذين الكريمين عن ابداعهما في تعزيز التراث والفلكلور العراقي وتذكير الناس بتراث بلاد وادي الرافدين وعراقته وأصالته .

 والأن اليكم موضوع اليوم

 "  من سومر إلى بغداد.. رحلة القوة الضائعة  " 

"  الزور خانة : الرياضة السرّية التي صنعت أبطال العراق  "


الزور خانة هي رياضة شعبية تراثية انتشرت في العراق منذ ( 3000 - 4000 ق . م ) أي منذ عهد السومريين والبابليين ، وقد برزت ذروتها في العراق بلاد الرافدين وفي ايران أوائل القرن العشرين الماضي ....

وكانت مساحة ملعب التمارين للزور خانة هي حفرة دائرية الشكل أو مثمنة الأضلاع مكسوة بالطين الحر مرنه تحت أقدام اللاعبين وكانت تسمى ( جفرة الزورخانة ) . ولممارسة هذه الرياضة لا توجد هنالك شروط لأعمار اللاعبين فهي مسموحة للكبار والصغار على حد سواء وكانوا يشجعونهم على ممارستها  .. 

وفي كتاب للسيد “جميل الطائي” حول هذا الموضوع يقول : 
“ان اول شيء كان يلاحظه المرء عند دخوله لأماكن ( الزورخانة ) ، هو بابها الصغير الضيق ، ذلك الباب الذي كان لا يسمح بالمرور فيه لأكثر من شخص واحد فقط، والذي يضطره الى أن يطأطئ رأسه وينحني قليلا ليتمكن من الدخول الى ارضها. 

اما الغاية من صغر بابها وطأطاة الرأس هذه ، فهي للدلالة على احترام ارضها وطهر تربتها ، ولتذكر الانسان دوما بأنه مهما اوتي من قوة فائقة يجب عليه ان لا يصاب بالغرور او الغطرسة او التعالي على الاخرين”.

نعم وهكذا هي اخلاقيات البغداديين وكل العراقيين الشرفاء حيث كانت “جفرة المصارعة”، وهي الجفرة التي يجري فيها النزال، مكانا نموذجيا لممارسة هذه الاخلاقيات العالية السامية.


 لهذه اللعبة شروط وطقوس خاصة بها و مما عرف عنها :

- أن يكون جسد اللاعب نظيفا و على وضوء .
- يجب ان يكون اللاعب ذو أخلاق حسنة ويتمتع بالصفات الحميدة والفاضلة والنبيلة  .
- على اللاعب ان يتمتع بروح التواضع ولا يكون مغترا بقوته  ,
- وان يكون أمينا وصادقا ومحبّا" للناس  ولأهله .
 - يمنع على اللاعب أن يستخدم المشروبات الروحية أو التدخين  .
- يقود حلبة التدريب شخص ذو خبرة يسمى المرشد أو الماندير .
- تبدأ مراسيم اللعبة بقراءة القران والتواشيح الدينية  .
- ثم تليها قراءة المقامات العراقية اعلانا" وتشجيعا" ببدأ التدريب وممارسة اللعبة .
 - تمارس هذه الرياضة تحت وقع الطبل لزيادة الحماس مع ضربات الطبلة ورنة الأجراس . 
- تبدأ بهرولة خفيفة لغرض الإحماء  .
- ثم حركات تسمى بتمرين الشناو  .
- عملية رفع الدمبلات ( عتلات خشبية مطعمة بالرصاص ) وهي بمثابة الأثقال الحديدية  .
 - ممارسة القفز داخل حفرة التمرين باسلوب بهلواني تارة إلى الأمام وتارة الى الخلف  .
- القفز على قدمين وتارة أخرى على قدم واحدة لتقوية عضلات السيقان  .

و بعد ممارسة هذه الطقوس يبدأ اللاعبون بممارسة لعبة نزال المصارعة وهنا يتم تقسيم النزالات إلى قسمين : 
- الأول ، و يسمى بـ( الحلاونه ) ويكون نزالا وديا لتدربب اللاعبين .
- والثاني يسمى بالخصمانة وهذا سيكون نزال جدي وله يوم يقام فيه وهو يوم الجمعة فقط .
- ان تكون النزالات باشراف المرشد ويتحكيمه وفي نهاية النزال يكون تقييمه هو الحكم بالفوز والخسارة أو رأيه وقبوله او استحسانه عن جهود اللاعبين وتحسين قابلياتهم .

 و كان الزي المتعارف لدى اللاعبين يعرف باللهجة المحلية للبغداديين بـ( البشطمال ) وهي وزرة يستخدمها الناس العاديين في حمامات بغداد العامة عند دخولهم الى حمامات السوق قبل الغسل وبعده ، وقد اتخذها لاعبي الزورخانة لباسا " وزيّا " لهم يقومون بارتدائه عند ممارستهم للزورخانة كونها تسهل عليهم حرية الحركة  حيث يغطي هذا اللباس من منطقة سرة البطن الى ما تحت الركبتين . 

ومن الطقوس الخاصة بالزورخانات البغدادية ، الخضوع التام من قبل المصارعين للتعليمات ، والتعامل مع " ارض الجفرة " ، باعتبارها مكانا مقدسا اشبه ما يكون بالمعبد الديني ، وبهذا الخصوص يقدم لنا المؤلف وصفا بديعا ودقيقا لما كان يحدث في الزورخانات البغدادية آنذاك . 

و يقول السيد جميل الطائي : (كان لا يجوز للمصارعين مزاولة تمارينهم الرياضية وهم غير مغتسلين من " الجنابة " ) . وكان المرشدون ينادون من فوق منابرهم بين الحين  والآخر ، وبصوت عال قائلين : " لعنت بر تارك الصلاة ، لعنت بر جنبات " .


( بداية انتشار وانشاء ملاعب الزورخانة وأشهر أبطالها ) 

 و يذكر من أوائل الزورخانات التي أنشئت في العراق ببغداد وهنٌ : 

زورخانة محلة الدهانة ومرشدها ارميض الهاشمي ، زورخانة مدينة الكاظمية وبطلها درويش علي ، ثم توالت إنشاء الكثير من الزورخانات في بغداد  وفي اغلب محلاتها كمحلة ( باب الاغا) و ( الكفاح ) الذي اشتهرت فيها زور خانة (ابو سيفين) و (عكد إلجام ) ومن أشهر هذه الزورخانات كانت زور خانة ( عكد الأكراد ) والذي أنتجت عمالقة وأبطال هذه اللعبة وهم من الأكراد الفٌليين  مثل (حسن كورد الملقب بالبهلوان) و ( مجيد كسل ) و (حميد ليوة ) و ( مجيد خليل لولو ) فضلا عن وجود عدد كبير أخر من أبطال هذه اللعبة كـ(عوسي الاعظمي )  و اللاعب الشهير ( عباس الديك ) الذي فاز على المصارع الإيراني نصر الله كرمنشاهي في زورخانة كربلاء  .

وقد انتشرت هذه الزورخانات حتى في محافظات العراق كالبصرة ، والنجف ، والسليمانية ، والموصل ، وميسان ، و ( لزورخانة ميسان ) قصة مشهورة شهدها الانكليز أبان احتلاله للعراق حيث كان بطلها ( صنكور العلاف ) وهو بطل عراقي صارع أعتا المصارعين الانكليز في حينها وغلبهم وكان يرفع حمار مع حمله من شدة قوته كما ينقلونها وكان لصنكور موكب حسينيُ يدعى بموكب القادرية يخدم زوار أبي عبد الله الحسين عليه السلام في اربعينيته ..واما بالنسبة لزورخانة ( كربلاء ) كانت في منطقة المخيم بداية شارع القزوينية قبل خان الفحامة سابقا .

ومن الزورخانات المشهورة آنذاك في بغداد “زورخانة قمبر علي” و الدهانة” و”جامع المصلوب” و”العوينة” و”خان الدجاج” و”صبابيغ الآل”.

ومن ابرز المصارعين في تلك الفترة ( الحاج غني صوان ، وجميل ابو النيكل ، وعباس الصندقچي ، ومهدي زنو ، ومجيد لولو ، وموسى ابن ابو طبرة ، والحاج حسن كورد ، ومجيد كسل ، وحميد عبد علي اللملقب بـ “حميد ليوه”، والمصارعون الثلاثة الاواخر هؤلاء من الكورد الفيلية .

لقد كان ( موسى ابن ابو طبره ) معروفا بشهامته ونجدته للمستضعفين، مثلما كان مشهورا بقوته البدنية الخارقة. ويقول المؤلف عن الوجبات الغذائية التي كان يتناولها المصارع ابن ابو طبره ( كان يقوم بمزج عدد كبير من البيض مع كميات كبيرة من الحليب ويضعها في سطلة ويقوم بضربها دفعة واحدة ) .

اما الحاج  " حسن كورد " فقد ابتكر مسكة في المصارعة سميت بـ ( الدراو الكردي ) ، وكانت مسكة صعبة تقتضي القوة البدنية والفن ورباطة الجأش ، مما جعلها من المسكات الصعبة في المصارعة التي لا يقوى الا مصارعون معدودون على اتقانها.

ويورد المؤلف السيد جميل الطائي في كتابه اسماء اشهرالمسكات في المصارعة ومنها : 
" الكلنك چكن " ، اي مسكة النمر - " الدراو " - و " الخاك " - و " الكنده " - و " الارنج " - و " كفتر بند " - " بخاو " - و " اللكنه " اما  " خه لاوي الكوردي " فقد لاحق مصارعا هنديا الى البصرة وحتى منطقة الميناء ، حيث انزله من الباخرة بكلمات طيبة داعيا اياه الى المنازلة .

وامام دهشة الحاضرين واستغرابهم ، خلع المصارعان ثيابهما ، وخاضا مصارعة لم تدم سوى فترة قصيرة حيث تمكن  " خه لاوي الكوردي " من التغلب على منافسه بسهولة وعاد البطل الى محلة  " سراج الدين " في بغداد منتصرا .

يقول المؤلف ان اول نزال تغلب فيه المصارع " عباس الديك " ، كان مع المصارع الهندي (حسين غلام) . وفي عام 1921 زار كربلاء ، ودخل الى  " زورخانة الجميكاه " ، حيث نازل المصارع البارز " آغا صدري " . كما نازل المصارع الشهير (صادق پلو فروش) والمصارع الألماني " الهر كرايمر " .

ويتطرق المؤلف الى جوانب من حياة المصارع العراقي الفيلي " مجيد كسل " قائلا : 
لقد نازل العديد من المصارعين العراقيين والأجانب . وقد تغلب على المصارع المصري عثمان في منازلة أقيمت في " زورخانة بني سعيد "  ببغداد ، وتغلب على المصارع التركي المدعو " محمد " . كما شارك الكردي الفيلي العراقي  " مجيد كسل " في نزالات المصارعة التي كانت تقام لمنفعة شهداء الشرطة العراقيين ولإنقاذ فلسطين ، والتي غالبا" ما كان يحضرها  " وصي الملك فيصل الثاني وهو خاله الأمير عبد الاله " وكبار رجالات الدولة .

وقد تحدث " مجيد كسل " لمؤلف الكتاب قائلا : 
نازلت في يوم من الأيام احد المصارعين الهنود . وبالرغم من كسره اصبعي ، الا انني تغلبت عليه ، ولكني ما ان عدت الى البيت حتى شعرت بشلل في يدي ، وما كان من والدي الا واخذ يوبّخني قائلا  " لك والله فد يوم ايكتلوك ، يوميه متصارع ويه واحد ، يوميه كاسر جتف واحد " .
و لطالما تصور الكثيرون ، وما يزالون ، بان المصارعة عملية تقتصر على استعراض المسكات الفنية واتقانها ، او ان المصارع رجل قوي البنية ليس الا ، لكن المصارعين العراقيين ، ومنهم المصارعون البغداديون ، عرضوا نماذج مشرفة للبطولة والشهامة و نجدة الناس المعرضين للخطر ، وذلك في العصر الذهبي للمصارعة .

ويسجل مؤلف كتاب  " الزورخانات البغدادية " السيد ( جميل الطائي ) في كتابه المصور القيم ، نماذج كثيرة من تلك الصور والمشاهد التي تعكس الاخلاقية السامية للمصارع العراقي ، سواء في ميدان المصارعة ، (الجفرة) او في حياته الخاصة .

ويورد المؤلف حكايات بالغة الروعة والاهمية من حياة المصارع البغدادي الحاج " محمد ابن الأسطة بريسم " المولود في محلة الفضل ببغداد 1854 والمتوفى عام 1948 للميلاد . لقد نازل الحاج محمد العديد من المصارعين العراقيين والأجانب ومنهم إيرانيون وانكليز وهنود ، ومنهم المصارع الهندي المدعو اشرف حيث نازله الحاج محمد وتغلب عليه ، لا بقوته وحسب ، بل وبفنونه وجرأته . 

كذلك تصارع مع المصارع " محمد الخياط " ولقد دام النزال بينه وبين المصارع " محمد الخياط " اربع سنوات دون نتيجة ، فقد كانا يتنازلان كل يوم جمعة ، وفي النهاية اعلنا الهدنة بينهما ، واقسما على ان لا ينازل احدهما الاخر .

ومن الطرائف التي تذكر انه في يوم من الايام سقط ثور في بالوعة ضيقة بمحلة الفضل ، وكان الحاج (محمد ابن اسطه بريسم) يزاول تدريباته في الزورخانة القريبة من مكان الحادث ، وبين شخير الثور المسكين وصيحات الناس غادر الحاج محمد الزورخانة وهرع الى نجدة الثور واخراجه من البالوعة سالما بين هتافات الحاضرين ودعاء صاحب الثور .

ومن ابطال الكورد الفيلية في المصارعة في حقبة الثلاثينات المصارع  " حميد عبد علي " . زاول تدريباته في زورخانة محلة  " بني سعيد " ببغداد والتي كان يشرف عليها آنذاك المصارع  " نايل الصباغ " ثم ارتاد زورخانة " الدهانة " التي كان يشرف عليها الحاج " عباس الديك " وزورخانة  " العوينة " التي يشرف عليها الحاج  " حسن كورد " .

تغلب على العديد من المصارعين ، ومنهم الإيراني " آغا بلوري " وعندما جاء الى العراق المصارع الياباني " بوت رونوس " ، طلب المصارع حميد تحديه في نزال يقام بينهما ، الا ان المصارع الياباني تراجع عن ذلك . وفي مدينة كربلاء ، تغلب المصارع حميد عبد علي على المصارع الإيراني دشتي ، كما تغلب أيضا على المصارع " يعكوب النجفي " في زورخانة  " خرمشهر " .

و لقد أسس ( المصارع حميد ) عددا من الزورخانات على حسابه الخاص ، ومنها زورخانة في الكويت ، كذلك في البصرة ، وقد اشرف على تدريب عشرات الشباب الرياضيين على فن المصارعة . و يقول المؤلف أيضا ، شارك المصارع حميد عبد علي في العديد من المهرجانات الخيرية وشارك في تهيئة ناد للمصارعة قرب القوة الجوية يعود للأستاذين  " اكرم فهمي " و " حفظي عزيز " .

وفي ايام الصيف كان يقيم " جفرا  للزورخانة " على شواطئ دجلة ، منها تلك التي اقامتها خلف المحكمة الشرعية بشارع النهر، حتى ترك المصارعة عام 1952 بعد ان امضى فيها عشرين سنة تقريبا ، وكان يلقب بين اقرانه بـ " حميد ليوه " ، وذلك لاندفاعه وعصبيته البالغة .

ولم تكن المصارعة أيام زمان تقتصر على النزالات الفنية ، والالتزام الفائق والملزم بالتعليمات والأعراف والمبادئ المعروفة بهذا الصدد ، بل كانت العروض الفنية والنزالات في " الجفرة "  تعكس وتحتوي جانبا اخر لا علاقة مباشرة له بالمصارعة ، بل بالمصارعين انفسهم .

لقد كانت تلك العروض والنزالات مناسبة مشهودة وطيبة لتجمع العرب والكورد والتركمان في مكان واحد ، وتحت شعار واحد : 

" المصارعة النظيفة ، مصفاة للقلوب " 

وبهذا الخصوص يورد السيد  " جميل الطائي " في كتابه الزورخانات البغدادية تعليقات كتابية مدعمة بالصور الفوتوغرافية الرائعة ، ففي احد الاحتفالات القديمة ، هناك صورة تمثل المصارع  " صادق الصندوق " وهو يقوم بتمزيق (صينية نحاسية) الى قطعتين ، ويشاهد خلفه في الصورة مجموعة من المع المصارعين العرب والكورد والتركمان ، ومنهم : (الحاج ظاهر مسعود ، ورضا عنجر ، وحسين القندرچي ، وتوفيق الكركولي ، ومهدي زنو ، وحميد عبد علي ، ومحمد حسين البصراوي ، ومجيد كسل ، وصبري الجنابي ) .

ان البغداديين الذين عايشوا حقبة الاربعينات والخمسينات ، يتذكرون اسما رياضيا" كان يرن في اوساط المصارعة والسباحة والدراجات والجمناستك . وهذا الاسم هو " عوسي الاعظمي " . ولقد قال المؤلف في كتابه  " الزورخانات البغدادية " : 

(ولد المصارع جاسم محمد طه) والملقب بـ “عوسي الاعظمي” في محلة الشيوخ بالأعظمية عام 1917 ، و تدرب تحت اشراف البطلين " الحاج عباس الديك " و " الحاج حسن كورد "  في زورخانة  " الدهانة " . وانه تغلب على العديد من المصارعين ، وهو اول من اقام لعبة  " السكيتنك " في الاعظمية ، ابتداء من دار ( رشيد عالي الكيلاني ) لغاية نادي الاعظمية الرياضي ، وافتتح له مكتبة رياضية مقابل مقهى  " حجازي " ، حيث كان يراسل ابطال العالم مثل  " ساندو "  و " مكفادن "  و " ليدرمان " .

وكانوا في الاحتفالات التي كانت تقام برعاية الملك فيصل الاول ، تقدم لهم الهدايا الثمينة والتي كان يشارك فيها ابطال المصارعة العراقية أمثال " مهدي الزنو " و " الحاج عباس الديك " و " الحاج  نصيف " وغيرهم .

اما حكام تلك النزالات فكانوا كلا من  " الحاج محمد ابن اسطه بريسم " و " الحاج حسن كورد " و " الحاج غني محمود القره غولي " وهناك صورة نادرة بين دفتي كتاب  " الزورخانات البغدادية "  تضم لفيفا بارزا من ابطال المصارعة العراقيين وهم كل من :

علي دبو  
محمد جعفر سلماسي 
الحاج عباس الديك 
خلف يونس 
صبري الخطاط 
الحاج محمد بريسم 
السيد ابراهيم ابو يوسف 
الحاج حسن كورد 
جميل ابو النيكل 
اسماعيل الخياط 
الحاج حسن نصيف 
نايل الصباغ 
محمد علي شحم 
الحاج مهدي الصفار 
المرشد مهدي قچو 
هادي البياتي 
اسماعيل ترك 
صادق الصندوق 
ورضا اسماعيل
.
لا نعرف الكثيرعن أوضاع الوسط الرياضي في العراق الآن ، ولكن معلوماتنا لا تقتصر على كرة القدم  و السلة  و الألعاب الأولمبية المنوعة الأخرى ، فالمصارعة بمعناها القديم والمألوف لم يعد لها وجود الآن في العراق ، فيما هناك ، وعلى ما يبدو انحسار ملحوظ في النشاطات الرياضية الكبرى ، سيما وان الحصار الدولي لم يسقط من قائمة محظوراته حتى الألعاب الرياضية . 

و في كتاب " الزورخانات البغدادية " يتطرق السيد (جميل الطائي) الى جانب طريف من تاريخ الزورخانات وفعاليتها ، فيقول :

اما (الجرص) الكبير المعلق امام المرشد بواسطة سلسلة حديدية من الأعلى ، فالغرض من وجوده هو القيام بالضرب عليه عند دخول احد أسطوات الزورخانة ( أي المرشدين المشرفين على اللعبة ) او احد ابطالها الكبار ، يقومون بقرع ( الجرص ) والتي تعني " الجرس " تحية لقدومه مع الترحيب به بصوت عال ، وفي الوقت نفسه يطلب من الحاضرين التهليل بالصلوات .

و حدثني الأستاذ  " قهرمان " الابن الأكبر للحاج  " حسن كورد " ، مدرب ابطال العراق في المصارعة في تلك الفترة قائلا : 
(حينما كان والدي يدخل الى مكان الزورخانة ، كان مرشدها ، السيد  " مهدي قجو " ينادي بأعلى صوته قائلا : يا هلا بأبو قهرمان ، رحم الله والديكم ، الكاعدين فوك واللي جوه ، جروا صلوات على النبي ، اللهم صلي على محمد... وآل محمد.

وهناك طرائف ونوادر رياضية وشخصية كثيرة رافقت ولاحقت المصارع والرياضي المعروف " صادق الصندوق " ، لقد تعرفت شخصيا على المصارع المذكور في الستينات ، وبالضبط اثناء حوادث اضراب البنزين في عهد الجنرال الراحل عبد الكريم قاسم ، فقد القي القبض عليّ اثناء تلك الحوادث ، واودعت في معتقل الأمن العامة بمنطقة  " القصر الأبيض " ببغداد ، واثناء وجودي في المعتقل ، جيء بالمصارع (صادق الصندوق) واودع في الزنزانة التي كنت فيها مع جمع كثير من المعتقلين و كانت التهمة الموجهة الى المصارع (صادق الصندوق) ، هي اتصاله بضابط باكستاني  ، وللعلم فان المصارع (صادق الصندوق) هو نفسه كان من اصل باكستاني ، ولم يكن ينكر ذلك ، واثناء تواجدنا في الزنزانة كان المصارع المذكور يقوم بألعاب رياضية خارقة وحيل سحرية ، كنا نستحسنها كثيرا وتدخل التسلية الى وجودنا الإعتقالي المرير .

اما مؤلف الكتاب السيد  " جميل الطائي " فهو يقول : 

كانت هواية صادق الصندوق قبل مزاولته المصارعة هي الملاواة بالأيدي وتمزيق ( الصواني النحاسية ) بيديه المجردتين ، وفي فترة أخرى كان يعرض بعض الحركات البهلوانية على المارة في احياء وازقة بغداد ، ومنها قيامه بوضع رأسه على الحائط ومن ثم تقديمه مكأفاة نقدية لمن يستطيع من أولئك المارة ان يقوم بإبعاد رأسه عن الحائط ، وفي يوم من الأيام صادف مرور الحاج  " حسن كورد " ومشاهدته هذا المنظر ، وتحدث معه واتخذه تلميذا له في زورخانة  " الدهانة " ، وبذلك احتضن الحاج المرحوم  " حسن كورد " ورعى بطلا اصبح له اسم وشهرة في ميادين المصارعة العراقية . 

 لقد مضت تلك الأيام .. ولكن ذكر ابطالها ما زال باقيا صفحة مشرقة من تاريخ بغداد والعراق .

وفي الختام .. اود ان أقول لأحبابي زوار مدونتي المتواضعة :

" هل تعلم أن هذه اللعبة كانت تُمارس في بيتك قبل 100 عام ؟ "

و سؤالي الآخر هو : 

" لو كنتَ مصارعاً في الزورخانة.. أي لقبٍ تختار ؟ " 

❶ البغدادي ؟

❷ الكوردي ؟

❸ السومري ؟

" فيا أحبابي هذا الموضوع ليس مجرد تاريخ ..  إنه 

دليلٌ حيّ 

على أن قوة العراقي لم تكن يوماً في سلاحه فحسب ، بل في 

إرث أجداده 
 
الذي لا ينكسر " .

وقد قيل عن أصالة البغدادي عمّا يكتب وعندما يكتب ،  لحنا" من الوفاء وهو يقول :

🌹✨ يا مَنْ جعلتَ تراث بغداد ينبض بين سطورك ! 🌹✨

لقد قرأتُ موضوعك بقلبٍ يخفقُ فخراً كأنني أجلسُ في زاويةٍ من زوايا  " الشاي خانة " ، أسمعُ حكايات الأبطال من فمِ " القصة خون " نفسه ! 🌹✨


وأخيرا وليس آخرا" اردد لكم بأجمل تحية حب ومودة وتقدير .. أنا في انتظاركم دوما .. وبانتظار مداخلاتكم ومشاركتكم عن هذا الموضوع . 🌹✨ . 

  • سأنتظرُ اجاباتكم وتفاعلكم وكتاباتكم كطفلٍ يترقبُ حلوى سوق الشورجة !

  • سأقرأهُا كأنني أتذوّقُ  " قيمرَ " بغدادَ على مهل ..

  • وسأكونُ أولَ مَن يُعلّقُ بإعجابٍ يُذيبُ لوحَ طينٍ سومريّ !

  • 🌹 ✨ 🌹.

اضف تعليق

أحدث أقدم