القهوجي المتجول.. ساحر الشوارع البغدادية
هناك في أزقّة بغداد العتيقة ، حيث تختلط رائحة الهيل بأصوات الباعة وضجيج الأسواق ، كان هناك رجلٌ بسيط يجرّ معه عالمًا كاملاً على كتفيه ، إنه القهوجي المتجول .. الساحر الذي جعل من الشاي قصيدة ، ومن الشارع مسرحًا ، ومن الاستكانة الصغيرة نافذةً على الحنين .
بغداد والشاي .. حكاية عشق قديم
العراقيون ليسوا مجرد محـبّـين للشاي ، بل كانوا من أوائل الشعوب التي عرفت المنطقة به . حمل التجار العراقيون الشاي معهم من الهند وجنوب شرق آسيا ، وجعلوه جزءًا من مجالسهم ودواوينهم ، ومع مرور الوقت ، لم يعد الشاي ضيفًا عابرًا ، بل أصبح رمزًا للجود والكرم ، ورفيقًا للأدب والحديث والسمر .
وهكذا وُلدت الجاي خانات ، تلك المقاهي الشعبية التي سرعان ما تحولت إلى منتديات أدبية وثقافية ، يجتمع فيها الشعراء والكتّاب والمثقفون .
الجنبر.. متحف متنقل
لم يكن " الجنبر " مجرد صندوق للشاي ، بل كان أشبه بمتحف صغير متنقل ، فقواري مزخرفة بالفيروزي والأزرق ، التي كانت تحمل رسومات الطيور والأسماك ، وسكّين الهيل التي تسبق الرائحة قبل أن تسبق الطعم ، واستكانات زجاجية مصطفة بعناية ، تنتظر أصابع الشاربين ، والسماور نحاسي يغلي على نارٍ هادئة ، ليطلق صفيره كنايٍ يوقظ الأرواح .
ولقد كان القهوجي المتجول يرتدي زيه الشعبي ، الجراوية على الرأس ، والصاية الطويلة ، والحزام الجلدي الأحمر، ثم يمضي بخطوات واثقة منادياً بصوته الجهوري " جاي طيب .. وسنكين ! "
يوميات القهوجي .. هكذا كانت تبدأ
ففي الصباح : يبدأ يومه بالتوكل على الله ، ويقف عند ناصية السوق حيث العابرون يبحثون عن استكانة تدفئ صباحهم .
وفي الضحى : يعرف أماكن التجمعات ، فينصب جنبره عند الساحات أو أبواب المحال .
وعند العصر : يتحول إلى راوٍ شعبي ، يروي نكات " حبزبوز" أو أبياتًا عامية تُضحك الحزين .
وأما في المساء: فعند ضفاف دجلة ، يغسل قواريه ، بينما ينعكس نور الفانوس على الماء كأنه آخر عطر للذكرى .
مقاهي بغداد .. ذاكرة مفتوحة
بموازاة القهوجي المتجول ، ازدهرت المقاهي في بغداد ، من أبرزها ، الزهاوي ، حسن عجمي ، الخفافين ، الميدان ، البيروتي ، و لم تكن هذه المقاهي مكانًا للشاي فحسب ، بل كانت جامعات شعبية يتبادل فيها المثقفون أفكارهم ، ويقرأون الصحف والمجلات ، وتُعلّق على جدرانها صور شخصيات سياسية وفنية وفكرية .
أفول القهوجي
وفي ستينيات القرن الماضي ، بدأ " الجنبر" يختفي تدريجيًا ، مع ظهور محلات الشاي الحديثة والأكواب البلاستيكية التي سلبت الاستكانة هيبتها ، ولكن الحقيقة أن القهوجي لم يرحل .. بل بقي صوته يتردد في الأزقة القديمة ، وبقيت صورته مطبوعة في الذاكرة كلما سمعنا صفير غلاية أو ارتشفنا شايًا حامضًا .
أيّها القهوجي المتجوّل
" لقد كنتَ آخر سحرة بغداد .. الذين يعرفون أن الأقداح تُملأ بالحكايات قبل أن تُملأ بالماء "
أيها القارئ الكريم .. لو قابلت القهوجي اليوم ، ماذا ستطلب منه ؟
☕ استكانة شاي بالهيل
🎭 نكتة عن الزمن الجميل
📖 حكاية عن أسرار دجلة
و ربما سيضحك ويقول لك :
" الشاي يا ولدي .. ليس شرابًا ، بل حنينٌ يُذاب في الماء الساخن ويُشرب بقلبٍ يشتاق إلى زمنٍ لن يعود "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
📌 المصادر
كتاب " بغداد في الذاكرة " – د . علي الوردي .
أرشيف المتحف البغدادي ( صور نادرة للجنبر ) .
مقابلات مع كبار السن في منطقة الشورجة
...

إرسال تعليق