ذكريات من تاريخ شارع الرشيد في بغداد
الجزء الثاني
ولمعرفة ما في شارع الرشيد في العشرينيات سنبدأ جولتنا فيه من باب المعظم الى
الباب الشرقي .
ونبدأ من بناء الطاقة الكبيرة المرتفع الى اكثر من عشرة امتار وفيه الباب الحديدي الكبير لمدخل بغداد من هذه الجهة ، وعلى جانبيه بابان صغيران تحت الطاق المقوس لمرور السابلة ، وفي خارج هذا الباب الصغيرة يجلس ( دزدبانية ) الضرائب ، و في اول الطريق العام يقع جامع الازبكية بمنارته القصيرة وقد سمي جامع الازبكية لان افراد شعب الاوزبكستان يتجمعون فيه مع دواليبهم حيث كانوا يمتهنون حد السكاكين وفي بغداد يسمونهم (الجراخين) وهم كانوا قد جاؤوا مع الجيش العثماني عند فتح بغداد .
ثم يأتي بعد جامع الازبكية جدار القلعة وبابها المفتوح دائما ( وزارة الدفاع ) ، وكانت ساحة القلعة ملعبا لكرة القدم .
وعلى جهة النهر السجن القديم والذي كان يسمى بسجن القلعة ومحله الان هو وزارة الدفاع ( المقر ) ، كما كانت ساحة القلعة الواسعة محل استعراض كشافة المدارس الابتدائية ، ومن طرائف ما يروى انه حدث في هذه الساحة أثناء حضور الملك فيصل الاول والوزراء بأنه دخلت جاموسة هائجة من باب القلعة في الميدان واثارت الفوضى ، مما أدى ذلك الى الاضطراب حتى ان تمكنت الشرطة من قتل الجاموسة ، وحينها حكم على صاحبها بالسجن لأنه لم يتخذ الاحتياط اللازم ، حيث كانت العادة ان تربط في ساق الجاموسة الامامية المشتبه بها عصا كبيرة تعوقها عن الحركة الزائدة او الركض .
ثم تأتي مدرسة المأمون بعد سلسلة من المقاهي الشتوية والصيفية في السطوح ، وقد سميت المدرسة بهذا الاسم نظرا لوجود البناء العباسي في القلعة والذي كان ايوانا لقصر المأمون ، وكان ممن سجل فيها الملك فيصل حيث سجل نفسه معلما في المدرسة المأمونية ، وقام الملك فيصل ايضا بتسجيل ولي العهد غازي تلميذا في هذه المدرسة ، وكانت له من الكشافة فرقة خاصة سميت فرقة الأمير غازي وانتخب افرادها من الطلاب النابهين اولاد العوائل المعروفة ، وآخر من رايت من الاحياء الاصدقاء المرحومين ظاهر حبيب وناظم سلمان الحمامي ، وخلف المدرسة المأمونية يربض طوب ( ابو خزامة ) مع شموعه والخرق البالية فيه .
ثم ساحة الميدان وقهوة خليفة التي تحتل نصف الشارع مقابل حديقة الميدان الصغيرة
وسياجها الحديدي المسمى ( القفص ) ، وكلمة القفص تعني الشتيمة لان من يقترب من
القفص او يدور حوله يتهم بالشذوذ الجنسي او سوء السلوك على اقل تقدير فالشتيمة
الموجوعة كانت ان يقال عنه ( قفصي او ابن القفص ) ، اما الجهة
اليسرى من الشارع فكانت تبدأ بالبيت الذي ذكرناه انه احتوى على دائرة عسكرية ، وبعده
ساحة لوقوف الدواب ولبيعها وقد شيد في محلها محطة بنزين باسم محطة بنزين باب
المعظم وهي الان المكتبة المركزية العامة ، وبعدها ساحة تضم التكية الطالبانية
وكان يديرها المرحوم علي الطالباني الذي حقق وطبع الديوان الشعري لجده الشيخ رضا
الطالباني اشهر شاعر في القرن التاسع عشر باللغة العربية والتركية والكردية واشتهر
بقسوة الهجاء ، وبعد التكية ياتي خان ( علو ) المشهور وهو مركز العرباين والعربنجية
، ثم جامع المرادية وخلف الجامع يقع الزقاق المؤدي الى دربونة ومحلة راس الكنيسة
التي تعتبر اقدم كنيسة في بغداد ، ثم مدخل طريق الصابونجية وعلى ناصيته البيت
الفخم للوجيه الموصلي اسماعيل الحجي خالد الذي تركه في الثلاثينيات لانه لم يستطيع
العيش والسكن في الميدان ( المحلة ) لأنها تحتوي على محلات الشرب والدعارة .
ثم نستمر في جولتنا بعد قهوة خليفة وقهوة البلدية فنصل الى سوق الميدان الكبير ، فاوتيل الهلال الذي تغني فيه بدرية السواس وجماعتها ، والذي غنت فيه ام كلثوم ايضا ، وبعده يأتي سوق الهرج الكبير مجمع اللصوص والمحتالين والمعدمين الراغبين في بيع ماعندهم او شراء مايحتاجون اليه من البضائع الحرام او الحلال ، وعلى راس السوق وعلى الطريق العام مباشرة بيت عبد الحليم الحافاتي عدو الملك فيصل ( لانه لم ينتفع منه ) ، ثم الشارع المؤدي الى حمام الباشا كراج ( كوترل وكريك ) ، ثم قهوة امين التي سميت قهوة الزهاوي ، ثم شناشيل احمد القيماقجي ابو الدكتور احسان القيماقجي وغرفة استقباله المطلة على شارع الرشيد وكان مع اصدقائه وجيرانه يتناولون الناس بالغمز واللمز ، ثم دكان ( زبالة ) ابو الدندرمة ، ثم قهوة حسن عجمي ، ثم مدرسة شماش اليهودية ، ثم دكان الحلبي الحجي خيرو ( برمبوز ) اول من صنع شربت اللوز في بغداد ، ثم مطعم شمس ، ثم ديواخانة بيت رؤوف الجادرجي التي استأجرها حزب الاخاء الوطني مقرا له ، ثم الطريق المؤدي الى امانة العاصمة وفي اوله يقع المعهد العلمي الذي كان يهيء الجرائد للقراء المجانية نهارا وفي المساء ينقلب الى معهد لتدريس اصول التجارة ومسك الدفاتر .
وللموضوع بقية ..
فتابعونا لإكمالها لكم في الجزء الثالث ان شاء الله تعالى .
.






إرسال تعليق